• Alaa Wahoud

كارثة دواء ثاليدوميد التي غيرت العالم

تاريخ التحديث: مايو 30

مع ازمة فيروس كورونا الجديد تساءل كثيرون لماذا تأخذ الأدوية واللقاحات الجديدة مدة طويلة حتى يتم الموافقة وطرحها للاستخدام, ولماذا تعتبر هيئة الغذاء والدواء الأمريكية المنظمة التي ينتظرها العالم اجمع وتعتبر المرجع الدوائي الأكثر ثقة.

قصتنا اليوم كانت هي بداية الاسباب خلف جميع تلك الأسئلة وبسببها استحدثت الكثير من القوانين التي تنظم علاقتنا مع أي ادوية جديدة.





يظهر في هذه الصورة الرئيس جون كنيدي عام 1962 ميلادية وهو يمنح وسام الخدمة المدنية الفيدرالية المتميزة للصيدلانية فرانسيس كيزلي كثاني امراة تحصل عليه.


سنذكر دورها الحاسم والمهم في هذه القصة وكيف أنها انقذت جيل كاملا من الاطفال في امريكا.







بدأت القصة من ألمانيا الغربية في عام 1957 ميلادي عندما انتهت شركة الأدوية "Chemie Grünenthal GmbH" من استخراج تصريح لطرح دواء الـ ثاليدوميد كمهدء ومخدر عصبي في تلك الفترة كان العالم خارجا من الحرب العالمية الثانية ومشاكل النوم منتشرة بشكل كبير.

وما لبث الا ان بدأ استخدامه لعلاج امراض اخرى يهمنا أن نذكر منها علاج أعراض الغثيان والدوران المصاحبة للحمل.

مع بدايات طرح الدواء قدمت الشركة عبر باحثين تابعين لها دراسات عدة حول سلامة الدواء وان السمية من الصعب حصولها بعد تجربته على الحيوانات. واختصرت دراسات الباحثين وقتها بانهم ببساطة لم يستطيعوا أن يجدو جرعة تستطيع قتل فأر!. ولذلك حصل الدواء على اول تصريح لبيعه دون وصفة طبية في ألمانيا.

ثاليدوميد في الاسواق

بدأت الشركات حول العالم بالتقديم على طلبات للحصول على رخص لتصنيع هذا الدواء وانتشر بعدها بشكل سريع حتى وصل عدد الشركات المصنعة لهذا الدواء إلى 14 شركة دوائية وحصل على ترخيص للبيع في ما يقارب الـ50 دولة حــول العالم تحت أكثر من 37 اسم تجاري خلال وقت قياسي.


الدعاية التي حصل عليها هذا الدواء كانت كبيرة كما في الصورة حيث كان يذكر بشكل متكرر وبأغلب الدعايات انه امن للجميع بما في ذلك الاطفال والنساء الحوامل وكل ذلك كان يتم دون دراسات علمية تسند هذا الكلام.


وكان السباق في ذلك الوقت بين الشركات للدخول إلى أكبر سوق وهو السوق الامريكي فبدات هيئة الغذاء والدواء بالحصول على عدت طلبات لاستخراج تراخيص لبيعه, ولكن...

في وقت مقارب وتحديدا في عام 1960 استلمت الصيدلانية فرانسيس كيزلي منصبها الجديد في هيئة الغذاء والدواء الأمريكية وكان دورها يتلخص في المراجعة والموافقة على جميع الأدوية الجديدة وذلك من خلال التأكد من الدراسات العلمية خلفها.


بعد وقت قصير من بداية عملها استلمت كيزلي الطلبات لترخيص دواء الـ ثاليدوميد من عدة شركات, في وقتها كانت هذه العملية تحتاج حرفيا مجرد ختم بسيط منها للموافقة وذلك لأن الدواء كان بالفعل قد ترخص في دول عدة من اهما المملكة المتحدة وكل المؤشرات كانت تدل فعلا انه دواء آمن ومدعم بتجربة سنين دون مشاكل!


إلا أن د. كيزلي وبشكل غير اعتيادي كانت ترفض جميع الطلبات المقدمة بدعوى عدم وجود دراسات موثقة على تأثير الدواء على الانسان, وذكرت في ما بعد ان لديها احساس سيء دائما حيال هذا الدواء وخاصة ان طبيب استرالي يدعى الدكتور وليم ماكبرايد الذي كان يستخدم دواء الـ ثاليدومايد على مرضاه بدأ بربط حالات تشوه جيني مفجعة مع هذا الدواء واصدار اوراق بحثية حول ذلك.

ضغطت شركات الأدوية اكثر على كيزلي وكادت ان تفصل من عملها إلا انها لم تتوانى ابدا في رفض جميع الطلبات المقدمة لعدم وجود دراسات علمية حقيقية خلفها.


أخد العلماء والأطباء 5 سنين كاملة منذ نشر الدواء في السوق حتى استطاعو ربطه مع اثار تشوه الاطراف الجينية عند الاطفال, كان د. وليم أولهم وما لبثت الا ان نشرت صحيفة المانية تقريرا حول وجود 161 طفل مشوه الأطراف. وما انتهى عام 1961 الا وقد تم حظر الدواء في دول عدة. وبعدها انتشر خبر د. كيزلي وكيف انها كانت تمنع دخول الدواء ثم منحها الرئيس وسام الشرف في عام 1962.


تلخصت تقارير الاطباء حول الدواء بأنه يعبر المشيمة والحبل السري للأجنة و يسبب تشوهات جينية تأثر على نمو الأطراف عندهم وتشوه حتى الأذان والعيون وغيرها من الأعضاء. في وقتها لم يكن السبب العلمي واضحا على عكس اليوم فقد تم تحديدها بشكل دقيق عبر باحثين من اليابان منذ سنوات قريبة.


قدر عدد المصابين حول العالم بـ 12 ألف طفل حول العالم, إلا أن الاعداد بالتأكيد اكثر من ذلك لأن دول عدة وخاصة الفقيرة منها لم تسجل أي احصائيات حتى أن الدواء استمر بيعه فيها حتى بعد حظره في جميع الدول مثل ما حدث في البرازيل. جدير بالذكر أن اول طفل سجلت اصابته بالتشوه الجيني بسبب الـ ثاليدوميد كان والده موظفا في نفس الشركة المصنعة للدواء في المانيا الغربية. وبالطبع إلى اليوم يعيش معنا كثيرون من المتضررين من هذه الكارثة وأغلبهم في اوربا وألمانيا تحديدا.


قدمت الشركة الالمانية للمحاكمة بعدها بسنوات ولكن المحكمة لم تتهم احدا في هذه القضية وبقيت ماساة هؤلاء الاطفال دون محاسبة أحد أو تعويضهم باي شيء لهذه اللحظة.


لكن هذه الكارثة كان لها اوجه ايجابية متعددة فقد اجبرت العديد من الحكومات على تسريع عملية تشديد الرقابة على قطاع الدواء عبر سن قوانين وتشريعات تعطي هيئات الغذاء والدواء الحكومية صلاحيات أكثر وخاصة عند ترخيص الادوية الجديدة.

أعطت هذه الكارثة اهمية كبيرة لهيئة الغذاء والدواء الامريكية بجانب اسباب اخرى اصبحت تقود العالم في مجال الدواء واصبحت الجهة الأكثر ثقة من قبل المجتمع الطبي العالمي.

من التغيرات الجذرية التي حصلت ايضا ان الدول لم تعد تشرع اي دواء جديد دون تجارب محكمة على الانسان, على عكس ما كان يحصل في السابق عندما كان يكتفى بالتجارب على الحيوانات.

استحدثت أيضا تصنيفات جديدة للأدوية تبرز مدى سلامة الدواء على النساء الحوامل والأطفال وقلت الادوية التي تصرف دون وصفات طبية للحد الادنى.

وغيرها الكثير من التغيريات الايجابية التي لا يسعنا ذكرها تفصيلا هنا.

هذه التجربة المريرة مع الـ ثاليدوميد بتقدير من الله قد تكون حمتنى من كوارث أكبر بسبب ادوية ظهرت لها اثار جانبية كارثية بعد التجارب السريرية.

اليــوم ومع ترخيصه من هيئة الغذاء والدواء الأمريكية ما زال دواء الـ ثاليدوميد يستخدم في علاج امراض مثل الجذام وبعض اعراض مرض الايدز على نطاق ضيق جدا وبشكل مشدد وصارم. ومع تحذير جميع المرضى من اثاره الجانبية وتعريفهم بها.




اشترك في النشرة الاسبوعية ليصلك كل جديد
  • SoundCloud
  • RSS
  • Twitter
  • Instagram

جميع الحقوق محفوظة لمدونة علاء 2020. صنعت بحــب مني إليكم.